Showing posts with label مظاهرات. Show all posts
Showing posts with label مظاهرات. Show all posts

Thursday, January 27, 2011

أنا إتضربت ليه؟

أنا حاسس إن واجب عليا دلوقتي حالا إني أنقل كل اللي حصلي في مظاهرات يوم الغضب التاريخي، منعا للمغالطات و منعا إن الناس يوصلها معنى و درس مستفاد خاطىء من اللي حصلي أو حصل لغيري.

و واجب على أي حد إتعرض للعنف أو للإهانة أو للتعذيب أ للإعتقال إنه يقول قصته بشفافية للناس عشان يعرفوا تجربته و اللي إستفاده منها.

مش عشان يفضح إنتهاكات جهاز الشرطة بس، بالعكس عشان كمان يقول لو كان فيه قصص و معاني إيجابية حصلت و يدي أمل للناس و يعرفهم إن في معنى ورا اللي حصله و بيحصل لمصر دلوقتي.

أنا هحكي القصة بإختصار للي مايعرفهاش.

إحنا كنا متظاهرين أمام دار الحكمة في شارع القصر العيني، و كان في كردون من العساكر و الظباط محاوطنا، و كان نفسنا نروح للناس الثانية اللي واقفين في ميدان التحرير.

على الساعة إثنين أو ثلاثة العصر قررنا إننا نحاول نروحلهم بأي شكل و اللي يحصل يحصل.

بدافع الإندفاع كنت من أوائل الناس اللي بيزقوا العساكر و فعلا إخترفنا العساكر و جرينا في إتجاه التحرير و مجلس الشعب.

و كان الشارع فاضي تماما، و في الأفق شفت بشر كثير، كنت فاكرهم متظاهرين لحد ما خدت بالي إن كلهم لابسين إسود و جايين نحيتنا و معاهم عصيان سودا، و إفتكرت مشاهد أفلام الحروب زي بريف هارت و جلادياتور، و عرفت إحساس الحروب القديمة، و لقيت نفسي بجري عليهم في طليعة الناس، و لقيت ناس بتحاول تهرب منا إحنا في الشوارع الجانبية بس واضح إنهم حاصروهم فرجعوا ثاني، لحظة من البلبلة ثم الإنقضاض منهم علينا.

و كان معايا الآي فون بتاعي العزيز بحاول أصور كل ده.

إلى أن إجتمع حولي عدد لا بئس به من العساكر، و عملوا حواليا دايرة و بدأوا الضرب بعصيانهم على دماغي و وشي و بطني و رجليا.

و دخل قائدهم الظابط المحترم المغوار اللي مش هنسى وشه ليوم الدين و بدأ يضربني بالبونيات على وشي بشكل لم أكن أتخيل أن جسم البني آدم ممكن أن يتحمله، و خد الآي فون العزيز الله يرحمه و داسه على الأرض و قعد يتنطط عليه ثم فاق لنفسه و قالهم "سيبوه، بطلوا ضرب" قلت الحمد لله ضميره صحي، فأكمل "عشان الكاميرات" و خدني و دخل بيا شارع جانبي و لقينا في سكتنا شاب ملقي على الأرض و دماغه نازل منها كمية مرعبة من الدم، و قال باللفظ "أهه واحد إبن..... مات أهه، و الله لموتك زيه يا إبن....." ثم دخل مدخل عمارة، و دخل العساكر اللطاف معاه و قفل عليا باب العمارة و بلغة الحواري "قصني" و جابني أرضا و بدأ بالضرب بشكل مبرح.

شلاليت في وشي، و في بطني، و العساكر بالعصيان، و واحد منهم كسر حاجة خشب غريبة و جاب الخشبة و قعد يضربني بيها في كل حتة في جسمي، و كلام شبه "يا ولاد ال.... يا ….. ده إحنا في الشارع من بليل يلعن د....“ و أنا بقوله "ربنا يكون في عونكوا، إنت عارف بقى إنت واقف ليه و بتمنعنى ليه؟" فيستفز فيضربني أكثر "عامل فيها مثقف يا إبن.....“ و أنا أرد عليه "مش مثقف و لا نيله، أنا هنا عشانكوا، أنا مصري زيك" طبعا كلامي وسط الضرب كان أكيد مبهم، و هو وسط شتايموا كلامي كان في أهمية برنامج "طبق اليوم" بالنسبة له.

و بعد ما زهق، قالهم "عايزكم تموتوه زي الواد الثاني يا إما هرجع أموتكم إنتوا، و لو جاعنين كلوه" و مشي، و لمدة لا تقل عن عشر دقايق ضرب مبرح بجد و أنا مستغرب هو أنا إزاي لسة ما متش، و أهه بعد ستة و ثلاثين ساعة أقسم بالله حاسس بالوجع في كل سنتيميتر مكعب في جسمي.

الغريب إني وقتها و وسط الحدث وصلت لمرحلة إني فعلا مش حاسس تماما بالضرب، و إستشهدت، و بدأت خيالات تراودني، عن أهلي بعدها هيحسوا بإيه و عن فيلمي اللي ماكملتش مونتاجه، و عن الصفحة اللي هتتعملي على الفيس بوك، و يا ترا هنبقى "كلنا عمرو سلامة"؟ و الأهم تصريح وزارة الداخلية اللي هيطلعوه إني أكيد بلعت الآي فون بتاعي.

و قعدت ساعتها أصرخ للعساكر و أقول كلام أفلاطوني ثاني زي: "أنا هنا عشانكم، إنتم عارفين إنتم بتضربوني ليه؟ أنا معايا موبايل، و معايا فلوس، و معايا عربية، و مستريح، إحنا هنا عشانكوا، عشان إنتم تلاقوا تاكلوا و تأكلوا عيالكم"

و لسبب إلهى سمعوا كلامي، و لقيت واحد فيهم إتأثر فعلا و بعدهم عني، و جابلي كرسي، و قالي "أستاذ، هتعرف تمشي؟" بعد لحظة صمت قلتله "هحاول" قالي "طب إجري بسرعة قبل ما الظابط يرجع، لو رجع هيموتك" فحاولت أهرب بسرعة و لكن الظابط رجع، و إفتكرني بهرب طبعا، و هما عملوا كإنهم بيجيبوني، فخدت علقة تجعل العلقة الأولى فيلم كارتون إنتاج والت ديزني في الأربعينات.

و بعدها ركز مع صيد تاني كان جايبه من الغابة شوية، فجه ظابط ثاني سألني عن شغلي و إسمي و شاف بطاقتي و قالي "إجري بسرعة قبل ما يركز معاك ثاني".

جريت، و بعد شوية بدأت الآلام تظهر، و بعدها آلام الرأس و الدوخة و الزغللة، و بدأت عنيا تدمع بلا توقف، مش عياط، بس يمكن عشان أعصابي سابت تماما و فقد السيطرة و صوتي كان بتطلع كإنه طالع من بير.

وصلت لواحد صاحبي في وسط البلد، إستضفني في مكان عمله، و قعدت و جابلي حاجات أشربها.

و سابني شوية، و لقيت نفسي ببكي بحدة لم أبكيها منذ لا أتذكر متى.

لم أبكي من الألم، و لا حتى من الإهانة، و لا من الرعب، بس بكيت لسبب واحد، لسبب إني لقيت نفسي بدأت أكره مصر، و حسيت إن ظباطها اللي حامينها كرهوني فيها، و حكومتها اللي ظالمانا كرهتني فيها، و شعبها السلبي – كان سلبي – ماكنش معانا و كرهني فيها، و الفساد و القمع و إلخ إلخ، و إزاي ممكن أعمل في كائن بشري ثاني مقلب و أجيبه و أخلفه في البلد ديه، إزاي هقنعه يحبها و يحاربلها و ينتميلها!؟

و قلت طب ليه ماسبهاش لو جالي الفرصة، مش يمكن كما قال صديق عزيز فعلا "مستقبل مصر الوحيد في الهجرة لكندا"؟

بس بعد دقايق، رجع صوت العقل – هو مش أكيد صوت العقل بس هو صوت طول عمره موديني في داهية – و فكرت نفسي بمعتقاداتي اللي بكتب المقال ده عشان أشاركها معاكوا.

إفتكرت إن إنتمائى لمصر مش إجباري، ده إختيار مني، أنا إختارته لإن إحساسي بالإنتماء مفيد ليا مش مفيد لمصر، مفيد ليا إني أعرف أنا منين و فين، فين المكان اللي أنه منه، و هو بتاعي، اللي بيتي فيه، و سريري فيه، اللي بحس فيه إني وصلت خلاص مش مستني إمتى هروّح.

إفتكرت إني لازم أبقى إيجابي تجاه أي مكان إخترت أنتميله، و أتفائل مهما كان، إن المكان ده هيكون أحسن بسببي و بسبب اللي حوليا.

من غير إنتماء و أمل أنا فعلا أفضل إني أموت، و لو بقيت عايش بدون سبب له معنى هتحول لحيوان عايز ياكل و ينام و يتمتع بمتع لحظية عمرها ما هتغذي روحي، و ده إختيار نهائي مش محتاج أراجعه مع نفسي.

حتى لو شاف العالم إني رومانسي زيادة أو حالم أو رومانسي، في ستين ألف داهية، أنا هبقى مبسوط بأختياري ده حتى لو حصلي اللي حصلي.

و إكتشفت إن أهم حاجة في الدنيا إني عارف الكلام ده، إني عارف أنا ليه إتضربت، إني عارف أنا ليه نزلت، إني أبقى عارف إن بدون شعارات و مطالبات سياسية معصلجة الفهم أنا نزلت و إتضربت عشان عايز مصر أحسن، عايز مصر مافيهاش سلطة أبدية مطلقة لأي من حكامها، عايز مصر بفجوة إجتماعية أقل، الفقير حتى لو فضل فقير يكون له الحد الأدنى من الكرامة و الإحتياجات الإنسانية، عارف إن إبني لما أخلفه في يوم من الأيام يتعلم صح، يتعالج صح، يبقى عنده أي أمل و طموح مهما كان، حتى لو عايز يبقى رئيس جمهورية، عايز مصر الشرطة فيها بتحمي الشعب مش بتعمل فيه اللي إتعمل فيا و في غيري، في كل قسم و شارع، مش زي اللي إتعمل فالشهداء، خالد سعيد و سيد بلال، لو حد حاول ينهب حقه مايخفش يروح القسم و يبقى عارف إن حقه حيرجعله لإن الظابط عايز يرجعله حقه، و هيلاقي الظابط ده موجود في القسم، مش واقف في تشريفة من صباحية ربنا، و لا بيقمع معارضة و لا مهمته الوحيدة حماية نظام فشل يديه حقوقه أصلا من مرتب محترم و عيشة كريمة، و مخليه واقف في وش المدفع يتكره بداله.

عرفت لما إتضربت إني خايف أقل، إني عرفت أنا ليه هنزل ثاني و ثالث و رابع، عرفت إني لو مت هبقى شهيد و أكيد هبقى في مكان أحسن.

و عرفت إن اللي بيضربني مش عارف هو بيضربني ليه، حاسس إن أسبابه مش منطقية حتى لو سهر الليالي يمنطقها لنفسه، ده يمكن يكون متعاطف معايا، و خايف أكثر مني، من جزا أو عقاب أو تكديره.

و الأهم عرفت إن فيه أمل، أمل أشوف مصر مش زي تونس بس، أشوفها في يوم مكان أجمل من تخيلي مكان أتمنى أخلف فيه عيال عشان ينعموا فيه بحياة كريمة و يعمروه أكثر.

أنا لا أدعي بأي شكل البطولة، و شفت ناس إتضربوا أكثر مني بكثير، و ناس أعتقلت، و في ناس ماتت أحتسبهم شهداء، بس الناس ديه كلها لو إتكلمت معاهم، أغلبهم فخورين بنفسهم، خوفهم بقى أقل، تحديهم بقى أقوى، حاسين إنهم على حق، الناس ديه معظمها طلعت من معتقالاتها أقوى، حاسين إن الفرج جاي مهما إتأخر، و عارفين إنها مهما ضاقت و إستحكمت حلقاتها مسيرها تفرج.

أهم إكتشاف إني إكتشفت إن في أمثال مش مجرد أمثال و خلاص، و فعلا معناها حقيقي، زي "الضربة اللي ماتومتنيش هتقويني"

Wednesday, January 26, 2011

الغضب يتجول في شوارع القاهرة

وائل عبد الفتاح

لا يزال الغضب يتجوّل في شوارع القاهرة ومدن مصرية أخرى، والغاضبون يغيّرون تكتيك اليوم الأول من التجمع الكبير في ميدان التحرير، إلى تجمعات صغيرة تتحلّق كلما فرّقت قوات الأمن تظاهرة تتجه إلى قلب الغضب. مطاردات تكاد تقترب من حرب شوارع في القاهرة، يطبّق الأمن فيها خطة فزع لاستعادة السيطرة على الشوارع التي سلكتها الجموع الغاضبة. الخطة ناجحة حتى الآن في منع التئام جسم غاضب كبير، لكنها فاشلة في السيطرة الكاملة لأن العنف يولد العنف، كما حدث في مدينة السويس، حيث ولّد الحزن على قتلى اليوم الأول، غضباً جديداً، تضاعف عندما فرّقت القوات الأمنية التظاهرة، مستخدمةً الرصاص المطاطي والحي، إضافة إلى القنابل، من دون التردد في استخدام الوسائل الميليشياوية، من خطف وضرب واعتقال في أماكن لا تزال مجهولة.
الخطة نجحت بالكامل في الإسكندرية، لكنها أوحت بأسلوب جديد في القاهرة؛ كلما نجحت مجموعات الأمن في تفريق تظاهرة، خرجت منها «ميني تظاهرات» تكبر كلما اقتحمت شوارع جديدة. التظاهرات الصغيرة اعتمدت على خفّة المفاجأة في الانتقال من شارع إلى آخر، لتنشر مزاج الخروج عن الطوق، والتصميم ليس على التعبير عن الغضب فحسب، بل التغيير باستخدام الغضب أيضاً.
دبيب الغاضبين وسط هتاف «الشعب يريد إسقاط النظام»، يبدو تحية إلى ثورة الياسمين في تونس طبعاً، وتواضعاً أمام تجربتها الفارقة. الغضب على الطريقة التونسية هو إعلان لفشل النظام في توسيع مساحة المناورة أمام السلطة، وإغلاق قنوات التجديد أمام المجتمع. هكذا لم يعد المجتمع يملك إلا أجساد الغاضبين ليدفع بها النظام الجاثم على الصدور.
هذا أحد أسرار المفاجأة التي تحاول الآن أكثر من جهة الركوب على موجاتها، لكنها تفشل أمام رغبة تحوُّل دبيب الغضب إلى طاقة جديدة على توازنات السلطة وأجنحتها في مصر. لم يعد أمام النظام إلا تقديم ضحايا وتنازلات، والقبول بشراكة المجتمع وقوة حضوره في معادلة السلطة. هذا هو سرّ آخر للدبيب الذي يعلو صوته في القاهرة، ويغطي على كل شيء بما في ذلك الجدل الدائر حول «ماذا بعد الغضب؟». التفكير مؤجَّل إلى حين، كذلك فإن الحملة المضادة في الإعلام متهافتة إلى درجات مذهلة، فالتلفزيون الرسمي اعتبر أن المجنَّد شهيد، بينما ضحايا رصاص الأمن مجرَّد قتلى عابرين.
رئيس الوزراء أحمد نظيف مرتبك، وغيّر مواعيده المقررة. وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد ألغى زيارته للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. الوحيد صاحب الصوت العالي بقي وزير الداخلية حبيب العادلي الذي لم يعد يخفي نبرة التهديد: سنضرب بعنف. ممنوع التظاهر، ولن يُسمح لأحد بالبقاء (في الميدان) بعد الحادية عشرة.
بين الحقيقة والشائعة، تبدو مقولات وزير الداخلية صياغة من غرفة عمليات، في جولة أخيرة. الأعصاب منفلتة، والقرارات لا تخفي عصبيتها، وفي شوارع رئيسية شُوهد رجال الأمن يسحلون مارة عاديين ويضربونهم، ويوجهون رصاصاتهم إلى الهواء تخويفاً لجموع تراقب، وقطعاً لخطوط التواصل والإمداد بينهم وبين الغاضبين المتجولين في المدينة.
الرصاص الحيّ سُمع في مناطق متفرِّقة، والمعتقلون لا يعرف أحد عددهم، وإن راوح بين ٥٠٠ و ١٠٠٠، بينما لا تُعرف أماكن اعتقالهم ولا التهم الموجَّهة إليهم. هي اعتقالات عشوائية، لا تعتمد على قوائم محددة مسبقاً، ولا أسماء معروفة.
عنف اكتفت مصادر مصرية حكومية بالاعتراف بأنه أدى إلى مقتل متظاهرَين أحدهما في السويس، والآخر في القاهرة إضافة إلى شرطي.
الغضب ليس عارياً رغم غياب الغطاء السياسي، لأنه محمي بالطاقة المتفجرة لمجتمع يريد الخروج عن «نظرية الكردون» (أو الطوق) الأمني والسياسي، إذ تريد الجموع الغاضبة كسر طوق التيارات السياسية الجامدة بأجندتها العاجزة.
المتظاهرون نوع عصيّ على التصنيف بالنسبة إلى النظام، وصنف جديد على خبراء القمع، وهذا ما يجعل العنف في الشوارع يقابله خطاب ناعم من مسؤولين يقولون: «نحن نعرف مطالب الغاضبين، لكن الحركات السياسية تستغلهم». الحزب الحاكم يقول إنه «فهم مطالب المتظاهرين». كلام ردّت عليه «حركة 6 أبريل» الاحتجاجية، بالدعوة إلى تظاهرات تخرج من جميع مساجد مصر بعد صلاة يوم الجمعة، غداً.
الغاضبون جدُد لا ترهبهم الآلة الأمنية التقليدية. إنها حركة بطولات يتحدى فيها شباب مدرّعات وآليات تبث الرعب، لكنها لم توقف منتفضين بادروا بالهجوم، فارتبكت الآلة المستقرة على أساليب الانسحاب.
الآلة النشيطة لدى النظام هي الحجب، التي تبدو فاعلة في قطع خطوط الاتصال بين جسم التظاهرات. من هنا، كان موقعَي «فايسبوك» و«تويتر» هدفاً أساسياً هاجمته أجهزة المنع الحكومية، ووضعته رهينة تعيد حركة الغضب إلى ما قبل الاتصالات الحديثة.
الخبرة القديمة تفاعلت ليلة أول من أمس، حين انتظرت قوات الأمن إلى ما بعد منتصف الليل وهاجمت المعتصمين بمدرعة أطلق منها بين ٢٥ و ٥٠ قذيفة دخان خانق، وأطلقت فرق البلطجة بملابسها المدنية لتطارد الهاربين من القنابل. في شوارع وسط القاهرة، استمرت المطاردات حتى ساعات متأخرة، تجمع بعدها مجموعات من المتظاهرين في ٣ مواقع أحدها كان مقر الحزب الوطني على كورنيش النيل، حيث أطلق الحرس الخاص بالمقر رصاصاً حياً على المجموعات التي خططت لاقتحام المقر. كذلك استمرت تجمعات أخرى في أحياء شبرا وماسبيرو، لساعات مبكرة من صباح اليوم التالي.
مصر تتجدّد طاقاتها كما يبدو من «مشروع الثورة الشعبية» التي تفجرت في كانون الثاني، بما يستدعيه من هبات غضب منفلتة عن السياقات التقليدية، بينها حريق القاهرة في ٢٦ كانون الثاني ١٩٥٢، و ١٨ و١٩ كانون الثاني ١٩٧٧. الحدث الحالي مختلف، ولا يُرجى أبداً أن يشهد مصائر سابقة، بل أن يكون افتتاحاً لإعادة تكوين المشهد السياسي بأسئلته وحساسياته المتباينة.

يوميات ٢٥ يناير- المفاجأة : عندما اصبح ميدان التحرير اسما علي مسمي

اليوم الاول

المفاجأة : عندما اصبح ميدان التحرير اسما علي مسمي

وائل عبد الفتاح

ميدان التحرير، كان اسماً على مسمى أمس فقط، احتله أكثر من ٢٠ ألف متظاهر، في أكبر تظاهرة منذ السبعينيات حينما احتل الطلاب الميدان نفسه في ما عرف باسم حركة الطلاب (١٩٧٢).
المتظاهرون رفعوا حتى ساعات متأخرة من الليل لافتات تقول: «مستمرون حتى الرحيل»، وهي رغبة لم تكن في حساب التنظيم الأول لما عرف بيوم الغضب، أو الثورة

، كما كان نشطاء الفايسبوك يسمونه في مجموعات عُدّت من النظرة التقليدية لحركات الاحتجاج مجرد مزحة أو عرض يقلد فيه المصريون التونسيين ويبحثون عن طبعتهم من «ثورة الياسمين».
شهدت التظاهرة مشاركات من فئات جديدة على مزاج الاحتجاجات المتصاعدة منذ ربيع القاهرة في ٢٠٠٥. الأغلبية شباب في العشرينيات والثلاثينيات، لكن كانت هناك مشاركات ملحوظة من الأربعينيات والخمسينيات. معظم المشاركين من شرائح الطبقة الوسطى، لكن الطبقات الأدني شاركت على نحو ملحوظ. لم يكن هناك مزاج مسيطر على التظاهرة: محجبات وعصريات، موظفون وطلاب، نشطاء سياسيون وشخصيات لديها أزمات ومشاكل، مثقفون ومشجعو الكرة في روابطها الجديدة المعروفة بالالتراس. توليفة لم يتوقع أحد تجمعها في تظاهرة بدت بلا مركز واحد، ولا قيادة وحيدة، لا يجمعها سوى رغبة إسقاط النظام، أو الاستفادة من إمكان منحته تونس في إزاحة ديكتاتور، وفرض قوة المجتمع في معادلة أي سلطة مقبلة.
روح تونس كانت حاضرة أمس في مصر، الهتافات استعارها المصريون رغم براعتهم المعروفة في صياغة الشعارات، وهُتف بالعربية الفصحى: «الشعب يريد إسقاط الحكومة» و«اعتصام اعتصام حتى يسقط النظام».
التظاهرات بدت عفوية، رغم أنها كانت مدبرة قبل أيام. لكنها عفوية الخروج وسيطرة العواطف المشتاقة إلى تغيير، والساعية إلى هز النظام بقوة.
قرار الأمن، مع اتساع نطاق التظاهرات، كان عدم الاحتكاك. وبإيقاع عفوي، سعى المشاركون إلى كسر الطوق الأمني والسياسي، بما يعني عدم الاستسلام لنظرية حصار التظاهرة. شعارات التظاهرة الضخمة دارت كلها حول رحيل نظام مبارك على غرار ما حدث في تونس، ورفعت أعلام مصر فوق أعلى نقطة في الميدان مع لافتة تطالب بسقوط النظام.
وكانت التظاهرات قد بدأت منذ صباح أمس في أكثر من نقطة في العاصمة بالتزامن مع تظاهرات مشابهة في مدن أخرى مثل الإسكندرية والمحلة الكبرى والمنصورة وكفر الشيخ، إضافة إلى أكثر من ١٠ مدن مصرية أصغر. ويتردد أن التظاهرة في السويس كانت الأكثر دموية، حيث قُتل متظاهران ومجند أمن مركزي إلى جانب عدد من مصابين لم يحدد بدقة. تظاهرات القاهرة تعددت نقاط تجمعها، واختارت أحياء وشوارع تقليدية مثل شارع جامعة الدول العربية في حي المهندسن حيث تجمع أكثر من ٥ آلاف متظاهر رغم حواجز أمنية انتشرت عبر محاور الطريق من الميادين والجسور المحيطة إلى الشارع الذي فقد الأمن السيطرة عليه.
تظاهرات أخرى انطلقت من أحياء شبرا وامبابة والشرابية ومن أمام دار القضاء العالي في وسط القاهرة، تعامل معها الأمن بطريقة غير تقليدية، وخاصة عندما سارت المسيرات ولم تتمركز في نقطة واحدة. تظاهرات التقت في ميدان التحرير وسط ارتباك أمني، حيث انفلتت أعصاب بعض أجنحة الأمن في قلب ميدان التحرير وحدثت اشتباكات طارد فيها المتظاهرون مجموعات متناثرة من فرق الأمن واستطاعوا خطف بعض خوذات رجال الأمن المركزي ودروعهم، وأحاطوا بسيارة تابعة للشرطة ومنعوها من الحركة.
ومنذ الساعة الرابعة بدأت التظاهرات تتلاقى في ميدان التحرير وتنضم مجموعات من المواطنين العاديين على نحو غير مسبوق بعد هتافات من المتظاهرين «انزل.. انزل» و«علي الصوت.. اللي بيهتف موش هايموت».
وبعدما تحول الميدان إلى مركز التظاهرة، ترددت الشعارات المطالبة برحيل مبارك، «فالسعودية (أو الطيارة) في انتظارك»، وكلها إعلان كراهية عميقة للنظام، ورغبة في إزاحته كما عبرت إعادة مشهد تكسير صور الرئيس في المحلة الكبرى، المدينة نفسها التي كسرت «الصنم» لأول مرة.
كذلك تجمع عدة آلاف أمام المقر الرئيسي للحزب الوطني وهتفوا ضد «الحرامية» و«بالطول بالعرض ها نجيب مبارك الأرض» (وهو هتاف مستعار من ملاعب الكرة)، كذلك كانت هناك دعوة توجه أسئلة إلى ضباط الأمن وجنوده: «إنتو موش مصريين والا إيه».
الأمن، رغم الهدوء الذي غلب تعاملاته على عكس المتوقع، تحاشى الاحتكاك مع التجمعات الكبيرة، كذلك عبّرت عن الرعب الكبير إجراءات إغلاق موقع التويتر لفترات طويلة، إضافة إلى حجب عدة مواقع أهمها «بامبيورز» وصحف «الشروق» و«الدستور الأصلي» و«البديل». وتواطأت شبكات المحمول، وعلى الأخص «موبينيل» لتعطيل الاتصالات بين المنطقة المحيطة بميدان التحرير وبقية مناطق مصر.
الذعر من انضمام قطاعات جديدة إلى التظاهرات، ومحاولات اقتحام عدة أماكن عامة مثل مجلس الشعب، أربكا خطط الأمن عدة مرات، وخاصة مع تغير مسار التظاهرات، وفشل عملية إخافة المتظاهرين الذين فاجأوا الأمن بالهجوم وعدم التقهقر.
الارتباك لم يكن فقط على المستوى الأمني، بل أيضاً على المستوى السياسي، ولم يخرج عن النظام أو الحزب أو الحكومة سوى بيان تقليدي من الداخلية وتصريحات مسؤولين مثل أمين إعلام الحزب الوطني علي الدين هلال الذي قال كلاماً مضحكاً عن خروج ٣٠ ألفاً فقط في التظاهرات من بين ٨٠ مليوناً… ورد عليه الساخرون بطمأنته إلى أن باقي الشعب سيخرج عن قريب، لكن في هذا اليوم لن يستطيع هلال التصريح أو الكلام.
المفاجأة كانت كبيرة على الجميع، وخالفت كل التوقعات، حتى قال البعض إن المتظاهرين سيمتنعون عن نزول الشارع يوم الإجازة. وهناك من قال إن «الإخوان» سيركبون التظاهرة… أو الأمن سيطوقها كالعادة، وسيهرب المتظاهرون الجدد مع رائحة الحريق في القنابل الخانقة… كل هذه التوقعات سقطت يوم أن تجمعت كل هذه الآلاف لإسقاط النظام.

ماذا يحدث في القاهرة الآن

العالم لا يزال مليء بالمفاجأت. وما يحدث منذ يوم 25 يناير هو أكبر مفاجأة حصلت في مصر على الأقل خلال نصف قرن.

يوم 25 يناير ترك الأمن المظاهرات تتحرك من أنحاء متفرقة في القاهرة حتى تجمعت جميعها في ميدان التحرير ليخرج المشهد الذي بالتأكيد جميعنا قد رأه ومعظمنا شارك فيه. حتى تلك اللحظة كان الأمن يتحرك بهدوء ما عدا في منطقة القصر العينى حينما حاول المتظاهرون اقتحام مجلس الشعب.

تمت محاصرة المتظاهرين في ميدان التحرير منذ حوالى الساعة الرابعة عصرا، تكاثر أعداد المتظاهرون وتوقفت الحياة تماما في ميدان التحرير. بينما في شوارع وسط البلد كانت الحياة تسير بشكل عادى. المتظاهرون أنفسهم كانوا يخرجون لإحضار الطعام من مطاعم وسط البلد القريبة ويأتون ثانية إلى المتظاهرة.

في ميدان التحرير كانت جميع شبكات المحمول عاطلة عن العمل. الأمن كان يقوم بإطلاق القنابل المسيلة للدموع على فترات لتفريق المتظاهرين لكنهم كانوا يعودون ثانية حتى الساعة واحدة ليلاً حيث اقتحمت قوات الأمن بوحشية الميدان. حسب مصادر من وزارة الداخلية تم إلقاء أكثر من خمسين قنبلة غاز في أقل من خمس دقائق، واقتحم الميدان 13 ألف جندى من رجال وزارة الداخلية بمصاحبة 200 عربة مصفحة.

تم تفريق المتظاهرين في الشوارع الجانبية لتبدأ مرحلة أخرى من حرب الشوارع. رصاص مطاطى. جرحى. إصابات.

المصابون الذين كانوا يذهبون للمستشفيات كان يتم إلقاء القبض عليهم من هناك تحديداً مستشفي المنيرة.

صباح يوم 26 يناير. تجددت التجمعات والمظاهرات بنفس الهتاف "الشعب يريد إسقاط النظام". هذه المرة بدا واضحاً أن الأمن لن يسمح بتكرار مشهد ميدان التحرير مرة ثانية. ومدير أمن العاصمة "إسماعيل الشاعر" تواجد بنفسه في قلب الميدان.

النتيجة كانت كارثة، وقيادات وزارة الداخلية التى اثبتت أن معدل ذكائه أقل من الإنسان الطبيعى فقدت السيطرة على الأمور تماماً.

المتظاهرون الذين كانوا يحاولون التوجه لميدان التحرير كان يتم التصدى لهم بعنف. وهذه المرة استعانت الداخلية بأمناء الشرطة والمخبرين في ملابس مدنية بعصيان خشبية. المتظاهرون الذين كان يتم منعهم من الوصول إلي الميدان تفرقوا في الشوارع الجانبية وانطلقت المطاردات في شوارع وسط البلد.

المحلات أغلقت معظمها ومن الساعة السادسة مساء كانت وسط البلد أشباه بمدينة أشباح.

غباء الأمن جعل المتظاهرين يتفرقون إلى الحوار الجانبية، والأمن طاردهم في تلك الشوارع، النتيجة كانت تورط عشرات المواطنين وانضمهم إلى المتظاهرين.

سيناريو الأحداث في منطقة بولاق خير مثال على ذلك.

فالشرطة طاردت المتظاهرين في بولاق واطلقت قنابل الغاز على سكان المنطقة، السكان ردوا على شرطى، توسعت الاشتباكات وسقط الضحايا. أهالى بولاق اشعلوا النار في الاطارات.

قبل ساعات من الآن عبرت خلال شارع 26 يوليو في بولاق بعد سيطرة قوات الأمن على المنطقة وما شاهدته كان أكثر مشهد مرعب شاهدته طوال حياتى.

آثار إطارات السيارة المحترقة في كل مكان. أثار النار على إحدى دور السينما في المنطقة.